نبض العالم

أمن الفضاء الرقمي.. هل حان الوقت لإعادة النظر في التعامل مع المعتادين على الجرائم السيبرانية؟

أمن الفضاء الرقمي.. هل حان الوقت لإعادة النظر في التعامل مع المعتادين على الجرائم السيبرانية؟ لم تعد الجرائم الإلكترونية مجرد وقائع عابرة أو خلافات تنتهي بإغلاق حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا للأفراد والمجتمع والدولة. فجرائم التشهير الإلكتروني، والابتزاز، وانتهاك الخصوصية، وإنشاء صفحات وجروبات للإساءة إلى المواطنين، قد تُلحق بالضحية أضرارًا نفسية واجتماعية ومادية تمتد لسنوات، بينما تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله عندما تتحول إلى ظاهرة تجد من يمارسها دون ردع كافٍ. ورغم ما تبذله الدولة المصرية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من جهود كبيرة في ضبط المجتمع والحفاظ على الأمن والقيم العامة، وما نشهده من تحركات حاسمة تجاه المحتوى المخالف للآداب العامة على منصات التواصل الاجتماعي، يظل هناك تساؤل مشروع: أليست صفحات وجروبات التشهير والابتزاز الإلكتروني، التي تنتهك خصوصية المواطنين وتدمر سمعتهم، صورة أخرى من صور الإخلال بالنظام العام والقيم المجتمعية؟ أليست تهدد استقرار الأسر، وتبث الخوف بين المواطنين، وتفتح الباب أمام الفوضى الرقمية؟ ومن هنا أطرح اقتراحًا يستحق الدراسة، وهو أن تقوم وزارة الداخلية بحصر البلاغات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية في كل مديرية أمن، ودراسة الحالات التي تتكرر فيها البلاغات أو الأحكام النهائية ضد أشخاص بعينهم، بما يساعد جهات إنفاذ القانون على رصد الأنماط الإجرامية المتكررة واتخاذ ما يتيحه القانون من إجراءات قانونية وقضائية مناسبة تحقق الردع العام، مع الالتزام الكامل بضمانات العدالة، ودون اعتبار مجرد البلاغات دليلًا على الإدانة قبل صدور الأحكام القضائية. كما يفرض الواقع تساؤلًا مهمًا حول مدى كفاية العقوبات الحالية. فكيف يعوض مبلغ مالي محدود أو عقوبة حبس قصيرة شخصًا تعرض لحملة تشهير دمرت سمعته، وأفقدته عمله، وأثرت في أسرته، وأصابته بأضرار نفسية ومعنوية ومادية قد تستمر سنوات؟ إن الضرر الذي تسببه هذه الجرائم لا يقاس بقيمة الغرامة أو مدة العقوبة، وإنما بما تتركه من آثار قد تدمر حياة إنسان بالكامل. كما أن هناك جانبًا آخر يستحق النقاش، وهو أن جرائم التشهير والابتزاز التي تُرتكب عبر الصفحات والجروبات العامة لا تمس المجني عليه وحده، بل تمتد آثارها إلى المجتمع كله، لأنها تُنشر على الملأ، ويطلع عليها الآلاف، وتغذي ثقافة الإساءة والابتزاز والتشهير، وهو ما يجعلها تمس المصلحة العامة، وليس مصلحة فرد بعينه فقط. ومن هنا يثور تساؤل تشريعي مهم: إذا تعرض المجني عليه للضغوط أو التهديد أو الترهيب واضطر إلى التنازل أو عدم استكمال الإجراءات القانونية، فلماذا لا يكون للدولة دور أكبر في استكمال ما يتعلق بحق المجتمع كلما كان الفعل قد وقع علنًا وأصاب النظام العام؟ فحين يتحول التشهير إلى محتوى منشور أمام الجميع، فإن أثره لا يقف عند حدود الضحية، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. ومن زاوية أخرى، فإن الجرائم الإلكترونية المنظمة، وعلى رأسها التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية، قد تمثل في آثارها صورة من صور الإرهاب المجتمعي أو الإرهاب الرقمي، لأنها لا تستهدف شخصًا بعينه فقط، وإنما تهدف إلى بث الرعب، وتحطيم السمعة، وإحداث اضطراب داخل الأسرة وبيئة العمل، وزعزعة شعور المواطنين بالأمان داخل الفضاء الرقمي. فالمجرم الإلكتروني لا يستخدم سلاحًا تقليديًا، لكنه يستخدم التكنولوجيا لتدمير حياة الآخرين نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. والأخطر من ذلك أن شعور الضحية بعدم حصولها على ردع حقيقي أو إنصاف يتناسب مع حجم الضرر قد يدفع بعض الأشخاص، تحت وطأة القهر واليأس، إلى التفكير في استرداد حقوقهم بوسائل غير مشروعة أو السعي للانتقام الشخصي، وهو ما يهدد السلم المجتمعي وسيادة القانون. ولذلك فإن تحقيق الردع ليس حمايةً للضحية وحدها، بل هو حماية للمجتمع من دوامة العنف وردود الأفعال الخارجة عن القانون. إن أمن الفضاء الرقمي لم يعد قضية تقنية، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي والأمن المجتمعي. وإذا كانت الدولة تحرص على حماية الشارع من الجريمة، فإن الشارع الإلكتروني لا يقل أهمية، لأنه أصبح جزءًا من حياة كل مواطن، بل ربما أصبح أكثر تأثيرًا من الواقع في بعض الأحيان. إن هذا المقال لا يدعو إلى المساس بالحقوق والحريات، وإنما يطالب بفتح حوار مجتمعي وتشريعي جاد حول تطوير القوانين بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الإلكترونية الحديثة، وتشديد العقوبات على مرتكبيها حال تكرارها، ودراسة آليات قانونية أكثر فاعلية لحماية المجتمع، مع الحفاظ على جميع ضمانات المحاكمة العادلة. لقد آن الأوان لإعادة النظر في بعض القوانين والإجراءات التي قد لا تواكب التطور الهائل في طبيعة الجرائم الإلكترونية، حتى تظل الدولة قادرة على حماية المواطنين، وصون كرامتهم وسمعتهم، والحفاظ على هوية المجتمع وقيمه واستقراره في عصر أصبحت فيه ضغطة زر واحدة قادرة على تدمير حياة إنسان بأكملها.

بقلم/ إلهام السيد

لم تعد الجرائم الإلكترونية مجرد وقائع عابرة أو خلافات تنتهي بإغلاق حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا للأفراد والمجتمع والدولة. فجرائم التشهير الإلكتروني، والابتزاز، وانتهاك الخصوصية، وإنشاء صفحات وجروبات للإساءة إلى المواطنين، قد تُلحق بالضحية أضرارًا نفسية واجتماعية ومادية تمتد لسنوات، بينما تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله عندما تتحول إلى ظاهرة تجد من يمارسها دون ردع كافٍ.

ورغم ما تبذله الدولة المصرية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من جهود كبيرة في ضبط المجتمع والحفاظ على الأمن والقيم العامة، وما نشهده من تحركات حاسمة تجاه المحتوى المخالف للآداب العامة على منصات التواصل الاجتماعي، يظل هناك تساؤل مشروع: أليست صفحات وجروبات التشهير والابتزاز الإلكتروني، التي تنتهك خصوصية المواطنين وتدمر سمعتهم، صورة أخرى من صور الإخلال بالنظام العام والقيم المجتمعية؟ أليست تهدد استقرار الأسر، وتبث الخوف بين المواطنين، وتفتح الباب أمام الفوضى الرقمية؟

ومن هنا أطرح اقتراحًا يستحق الدراسة، وهو أن تقوم وزارة الداخلية بحصر البلاغات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية في كل مديرية أمن، ودراسة الحالات التي تتكرر فيها البلاغات أو الأحكام النهائية ضد أشخاص بعينهم، بما يساعد جهات إنفاذ القانون على رصد الأنماط الإجرامية المتكررة واتخاذ ما يتيحه القانون من إجراءات قانونية وقضائية مناسبة تحقق الردع العام، مع الالتزام الكامل بضمانات العدالة، ودون اعتبار مجرد البلاغات دليلًا على الإدانة قبل صدور الأحكام القضائية.

كما يفرض الواقع تساؤلًا مهمًا حول مدى كفاية العقوبات الحالية. فكيف يعوض مبلغ مالي محدود أو عقوبة حبس قصيرة شخصًا تعرض لحملة تشهير دمرت سمعته، وأفقدته عمله، وأثرت في أسرته، وأصابته بأضرار نفسية ومعنوية ومادية قد تستمر سنوات؟ إن الضرر الذي تسببه هذه الجرائم لا يقاس بقيمة الغرامة أو مدة العقوبة، وإنما بما تتركه من آثار قد تدمر حياة إنسان بالكامل.

كما أن هناك جانبًا آخر يستحق النقاش، وهو أن جرائم التشهير والابتزاز التي تُرتكب عبر الصفحات والجروبات العامة لا تمس المجني عليه وحده، بل تمتد آثارها إلى المجتمع كله، لأنها تُنشر على الملأ، ويطلع عليها الآلاف، وتغذي ثقافة الإساءة والابتزاز والتشهير، وهو ما يجعلها تمس المصلحة العامة، وليس مصلحة فرد بعينه فقط.

ومن هنا يثور تساؤل تشريعي مهم: إذا تعرض المجني عليه للضغوط أو التهديد أو الترهيب واضطر إلى التنازل أو عدم استكمال الإجراءات القانونية، فلماذا لا يكون للدولة دور أكبر في استكمال ما يتعلق بحق المجتمع كلما كان الفعل قد وقع علنًا وأصاب النظام العام؟ فحين يتحول التشهير إلى محتوى منشور أمام الجميع، فإن أثره لا يقف عند حدود الضحية، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله.

ومن زاوية أخرى، فإن الجرائم الإلكترونية المنظمة، وعلى رأسها التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية، قد تمثل في آثارها صورة من صور الإرهاب المجتمعي أو الإرهاب الرقمي، لأنها لا تستهدف شخصًا بعينه فقط، وإنما تهدف إلى بث الرعب، وتحطيم السمعة، وإحداث اضطراب داخل الأسرة وبيئة العمل، وزعزعة شعور المواطنين بالأمان داخل الفضاء الرقمي. فالمجرم الإلكتروني لا يستخدم سلاحًا تقليديًا، لكنه يستخدم التكنولوجيا لتدمير حياة الآخرين نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

والأخطر من ذلك أن شعور الضحية بعدم حصولها على ردع حقيقي أو إنصاف يتناسب مع حجم الضرر قد يدفع بعض الأشخاص، تحت وطأة القهر واليأس، إلى التفكير في استرداد حقوقهم بوسائل غير مشروعة أو السعي للانتقام الشخصي، وهو ما يهدد السلم المجتمعي وسيادة القانون. ولذلك فإن تحقيق الردع ليس حمايةً للضحية وحدها، بل هو حماية للمجتمع من دوامة العنف وردود الأفعال الخارجة عن القانون.

إن أمن الفضاء الرقمي لم يعد قضية تقنية، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي والأمن المجتمعي. وإذا كانت الدولة تحرص على حماية الشارع من الجريمة، فإن الشارع الإلكتروني لا يقل أهمية، لأنه أصبح جزءًا من حياة كل مواطن، بل ربما أصبح أكثر تأثيرًا من الواقع في بعض الأحيان.

إن هذا المقال لا يدعو إلى المساس بالحقوق والحريات، وإنما يطالب بفتح حوار مجتمعي وتشريعي جاد حول تطوير القوانين بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الإلكترونية الحديثة، وتشديد العقوبات على مرتكبيها حال تكرارها، ودراسة آليات قانونية أكثر فاعلية لحماية المجتمع، مع الحفاظ على جميع ضمانات المحاكمة العادلة.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في بعض القوانين والإجراءات التي قد لا تواكب التطور الهائل في طبيعة الجرائم الإلكترونية، حتى تظل الدولة قادرة على حماية المواطنين، وصون كرامتهم وسمعتهم، والحفاظ على هوية المجتمع وقيمه واستقراره في عصر أصبحت فيه ضغطة زر واحدة قادرة على تدمير حياة إنسان بأكملها.

Exit mobile version