نبض العالم

فخر الصناعة البشرية

الدكتور "أحمد محسن الرداد"

كتب: د/ أحمد محسن الرداد

على مدار مئات الملايين من السنين، تطورت الحياة على كوكب الأرض وازدهرت في تنوع بيولوجي مذهل؛ ظهرت أنواع لا تُحصَى من الكائنات الحية، منها الذي استطاع التكيف مع بيئته محفاظاً على بقاء جنسه لفترات طويلة.. ومنها ما لم تمنحها الظروف الفرصة للتكيف، فانقرضت واندثرت فيما يُعَرِّفُه العلم ب(عملية الانتخاب الطبيعي).

عندما أدرك البشر مدى قِدَم عمر كوكبنا -3.5 مليار عام!، وبعد تطور التكنولوچيا بالقدر الذي أتاح لنا الحفر والوصول إلى مناطق أعمق في باطن الأرض، وبالإضافة للوسائل العلمية الأخرى الخاصة بتحليل التربة والكشف عما تحتويه طبقات الأرض من أحافير والأحفورة: “بقايا الكائن الحي المتكلسة التي يتم العثور عليها في التربة أو في الأحجار أو ما شابه ويكون عمرها آلاف أو ملايين السنين” وجد البشر بقايا كائنات ضخمة كانت تعيش وتمرح على سطح كوكبنا لمدة طويلة من الزمن، ثم فجأة منذ حوالي 160 مليون عام اختفت تماماً.

نعم؛ كما فهم معظمكم فأنا أتحدث عن الديناصورات:
كانت الديناصورات ملوك الأرض بلا منازع ظلت تُحكِم قبضتها على الكوكب لمدة 300 مليون عام، إلى أن أتى نيزك متوسط الحجم بقطر يصل إلى 30 كم- واصطدم بسطح الأرض على سرعة 220 ألف كيلومتر في الثانية لينتج عن ذلك الإصطدام إنفجار بلغت قوته 10 آلاف مره ضعف قوة إنفجار (هيروشيما) النووي في الحرب العالمية الثانية.

تسبب هذا الانفجار الهائل في انقراض أكثر من 90٪ من الأجناس الحية التي كانت تعيش في ذلك الوقت وعلى رأسها بالطبع الديناصورات، وكان هذا هو الانقراض الجماعي الخامس الذي يشهده كوكب الأرض منذ أن نشأت عليه الحياة مما يقارب الـ 3.2 مليار عام.

ولكن، وكما يقول المثل العربي:-“رب ضارة نافعة”

فقد أدى إنقراض الديناصورات العملاقة إلى إتاحة الفرصة لنوع آخر من الكائنات الحية الأقل حجماً بأن ينمو ويتطور، وهنا المقصود الثدييات.
فعلى مدار الـ 160 مليون عاماً المنصرمة ازدهرت الثدييات و تنوعت في أشكالها وأحجامها، وتميزت في طبيعة بيئتها وأنماط حياتها، انتشرت في معظم أرجاء الكوكب الذي كان وقتها عبارة عن قارة واحدة ضخمة تسمى (بانجيا) (pangea) لها محيط واحد هائل الاتساع، جميع الثدييات البرية من القوارض والفئران والقطط، مروراً بالأبقار والجاموس والغنم والماعز والإبل والغزلان، الأحصنة والحمير و الدببة البنية العملاقة والزرافات والفيلة والقرود والكثير من الثدييات الأخرى، والتي من ضمنها أيضاً “نحن البشر” جميعها تطور وتنوع في الحقبة التي تلت انقراض الديناصورات لتتسيد الثدييات كوكب الأرض من وقتها، وإلى الآن.

ظلت الحياة البرية على حالها طوال ملايين السنين لا يد للإنسان فيها، فالطبيعة وقواها كانت لا تزال غير مفهومة بالنسبة إليه لا يستطيع التحكم بها ولا تسخيرها بما يخدم مصالح جنسه ويحقق أغراضه كان الإنسان وقتها يعيش هائماً على وجهه في أنحاء الأرض متجولاً بلا سكن يقضي حياته في جمع والتقاط الثمار وصيد الحيوانات البرية بأدوات غاية في البدائية، وأحياناً بلا أدوات على الإطلاق.

ثم أتى العصر الجليدي الأخير السابع في ترتيب العصور، الجليدية التي اجتاحت الأرض، والذي ضرب كوكبنا منذ 320 ألف عام وانتهى منذ حوالي 11 ألف عام فقط.

كان البشر وقتها قد اكتشفوا النار -بمعنى القدرة على تسخيرها- مما سمح لهم باتخاذ الكهوف الرطبة الباردة والمظلمة سكناً لهم وملجأً من البرد القارص  فاستطاعوا بذلك تجاوز أزمة الطقس العالمية بالعيش داخل الكهوف متجمعين حول النار التي أشعلوها للإضاءة والتدفئة والطهي، كما ابتكر البشر وقتها أيضاً الخياطة وصنع الملابس كعامل مهم للتدفئة.

وبالطبع، كانت أشكال الحياة البرية خارج تلك الكهوف تكافح باستماتة من أجل النجاة في ظل طقس شديد البرودة، وسط ثلوج غطت حوالي ثلثي كوكب الأرض.


من بين تلك الكائنات التي تعاني كان هناك واحد دائماً ما ظل يراقب مداخل الكهوف، يجلس متربصاً للانقضاض على أي فريسة بشرية يشم رائحتها بأنفه الحساسة أو على الأقل، لسرقة بقايا طعام البشر المتخلفة عنهم إنها الذئاب.

عندما قام علماء الحيوان بقياس مستويات هرمون التوتر (Stress Hormone) لدى الذئاب أثناء مواجهتها لخصم محتمل كالبشر، وجدوا أن مستوياتها تكون عاليه جداً، عدا فصيلة واحدة فقط، كان مستوى هرمون التوتر فيها أقل من بقية الفصائل الأخرى فصيلة (الذئب الرمادي).

في السطور التالية، يروي لنا العلم قصة مدهشة حدثت في زمنٍ بعيد قصة تُعتَبَر هي الأروع والأجمل على الإطلاق في مسيرة الإنسان، قصة تحكي عن علاقة أجدادنا بما كان حولهم من كائنات حية شاركتهم نفس الكوكب الذي يعيشون فوقه، وكيف استطاع الإنسان ولأول مرة أن يكون صاحب تأثير في الطبيعة بما يخدم مصالحه الشخصية.

تعالوا نعود بكاميرا التاريخ إن جاز التعبير إلى 25 ألف عام مضت ونرى بأنفسنا مشاهد تلك القصة الرائعة..

ذات يوم، كانت تلك العائلة من البشر الأوائل تجلس في كهفها، وأفرادها متجمعين في حلقات حول شعلات متفرقة من النار في أمسية بدت شديدة البرودة في الخارج، تطهو النساء لحم الحيوان الذي قام رجال العائلة باصطياده في الصباح الباكر بينما يلهوا الأطفال بالحجارة أو يحكون بها جدران الكهف فينقشون أشكالاً طفولية غير مفهومة، وبعد أن التهم أحد أفراد العائلة نصيبه من اللحم، قام بإلقاء عظمه متبقية من أكله إلى خارج الكهف وهنا؛ أصاب الجميع الدهشه! رأوا ذئباً رمادياً يدخل عليهم غير عابئ بهم أو بالنار الموقدة ممسكاً العظمة بفمه، تركها بجوار الرجل الذي ألقاها منذ ثواني، ثم جلس راقداً على القرب منه وسط ذهول الناس الذي طغى لحظتها على خوفهم.

هنا، خطرت على بال واحد من أفراد العائلة فكرة غير اعتيادية؛ سوف يقوم هو بإطعام الذئب ورعايته، و بذلك سيتجنب افتراس الذئب له ولعائلته.

كان منطق غريب وقتها، أليس كذلك؟.

في الغالب، كان هذا بالضبط أقصى طموح ذلك الذئب الرمادي الذي يبدو أنه قد تعب من برودة الطقس خارج الكهف الدافئ بنيرانه، وأُجهِد من ندرة الطعام نتيجة محاولات الصيد الكثيرة الفاشلة والتي عادة ما تكون بسبب قلة عدد الحيوانات، وأيضاً بسبب لونه الرمادي الذي كان يفضحه من على بعد 2 كم فوق صفحة الثلوج البيضاء التي تغطي الأرض، كان ذلك الذئب اللطيف بتصرفه الفريد من نوعه وقتها أشبه بمن يقدم صفقة للإنسان صفقة يحصل بموجبها على الغذاء والدفء والرعاية وبالمقابل يمنح الطرف الآخر الأمان، بل وأكثر من ذلك كيف؟؟ سنرى.

في وقت قصير قام الإنسان باستئناس عدداً لا بأس به من الذئاب الرمادية التي تناسلت وسط البشر وتحت إشرافهم، وبدأت الأجيال الجديدة من تلك الذئاب في تمرير جيناتها المكتسبة حديثاً إلى صغارها وهكذا، لتنشأ بذلك سلالة جديدة بدأت تتعلم أن البشر هم من يرعونها ويعتنون بطعامها وشرابها ومسكنها، بل وتناسلها وأدركت هذه الحيوانات أن عليها هي أيضاً الاعتناء بالبشر وخدمتهم كما ينبغي.

وفي غضون عشرات قليلة من القرون، نشأت على يد البشر عن طريق استئناس وتهجين الذئاب الرمادية سلالة جديدة لا تمت صفاتها بصلة إلى صفات أجدادها المفترسين الأوائل، سلالة أصبحت تعيش مع الإنسان بدلاً من مهاجمته، وأصبحت تحميه وتدافع عنه بدلاً من محاولة افتراسه، بل وأصبحت كذلك من أهم وسائله للحراسه والصيد والمطاردة؛ سلالة استبدلت غدر أسلافها بوفاء شديد، وطاعة عمياء، سلالة قرر الإنسان أن يطلق عليها إسم؛ الكلاب..

عزيزي القارئ، فقط أنظر حولك في جميع أنحاء العالم ستجد أن كل تلك الفصائل من الكلاب، كلها بجميع أسمائها وأنواعها وأشكالها وأحجامها وألوانها وظُرفها وشراستها، قد نشأت منذ قرون قليلة فقط على يد البشر، وأنها في فترة زمنية وجيزة من خلال التهجين والانتقاء بين السلالات بالإضافة للتدريب، تمكنت من التطور في الشكل والأداء ليصبح الكلب هو الصديق الأوفى والأقرب للإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، ويستحق عن جدارة لقب (فخر الصناعة البشرية).

إن نشأة الكلاب كانت المرة الأولى التي سُمِحَ فيها للإنسان أن يتدخل في الطبيعة مؤثراً ومغيراً فيها بما يخدم مصالحه ويحقق أغراضه، وكل ذلك كان بسبب عصر جليدي جعل من النار التي اكتشفها الإنسان حافزاً لحيوان مفترس قام بخلع عباءته البرية المتوحشة وذهب بنفسه مستسلماً ومقدماً فروض الولاء والطاعة لسيد الكوكب الجديد “الإنسان“.

Exit mobile version